تقريرعن اجتماع أهل الدعوة في الباكستان


تقريرعن اجتماع أهل الدعوة في الباكستان


كتبه الشيخ صالح بن علي الشويمان (حفظه الله

تعالى)

بسم الله الرحمن الرحيم


سماحة الوالد الكريم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد) حفظه الله من كل سوء ووفقه وسدد خطاه, آمين .


سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أما بعد

:
فقد بدأت اجازتي في 1/3/1407هـ وسافرت إلى باكستان في 3/3/1407هـ مع مجموعة من العلماء وطلاب العلم من مختلف الجامعات، من الجامعة الإسلامية, وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية, وجامعة الملك سعود وغيرها، فشاهدنا العجب العجاب، فبعد وصولنا مطار لاهور استقبلنا جماعة من الشباب الصالحين الذين يشرق نور العلم والإيمان من لحاهم ووجوههم, واتجهنا إلى مسجد المطار فأدينا فيه السنة ثم جلسنا حول بعضنا ونحن من بلاد مختلفة، فقام واحد منهم يتكلم بكلام عجيب يأخذ بمجامع القلوب .


ثم جائت السيارات ونقلتنا إلى مقر الاجتماع في رايوند, ذلك الاجتماع الجميل الذي تخشع بسببه القلوب وتذزف منه العيون وابل دموع الفزع والسرور والخوف من الله، يشبه اجتماع أهل الجنة، لا صخب, ولا نصب، ولا لغو, ولا فوضى, ولا كذب .


نظيف جداً لا روائح ولا أوساخ، ومرتب ترتيب دقيق، فلا مرور ولا شرطة ولا نجدة ولا حراس، مع العلم أنه يفوق المليون .


حياة طبيعية فطرية يحوطها ذكر الله، علم ومحاضرات ودروس وحلق ذكر ليلا ونهاراً، فوالله إنه اجتماع تحيى به القلوب وينصقل به الإيمان ويزداد, فما أروعه وما أجمله يعطيك صورة ناطقة عن حياة الصحابة والتابعين واتباعهم رضوان الله عليهم، جهد وعلم وذكر، كلام جميل، أفعال جميلة، حركات إسلامية رائعة، ووجوه مشرقة بنور الإيمان والعلم, فلا تسمع إلا كلام التوحيد والذكر، والتسبيح والتحميد، والتهليل والتكبير, وقراءة القرآن, والسلام وعليكم السلام ورحمة الله، وجزاكم الله خيراً, ولا ترى إلا ما يسرك ويبهج قلبك من إحياء سنن المصطفى طريـة تتمتع بهـا فـي كل لحظة، ما أجمله وما أحلاه من اجتماع إسلامي عظيم .


وبالجملة تطبيق عملي لكتاب الله وسنة رسوله، فيا لها من حياة طيبة سعيدة، كم تمنيت من قلبي أن يكون هذا الاجتماع في ربوع المملكة العربية السعودية، لأنها جديرة بكل خير، ولأنها سبّاقة إلى كل خير منذ فجر عهد الملك عبد العزيز المشرق غفر الله له وقدّس روحه في جنات النعيم, وجمعنا وإياكم به في الفردوس الأعلى .


وأفراد هذا الاجتماع أشخاص من جميع جهات العالم على شكل واحد, وطبع واحد, وكلام واحد, وهدف واحد, وكأنهم أبناء رجل واحد, أو كأن الله سبحانه خلق قلباً واحداً فوزعه على هؤلاء، ليس لهم مطامع, ولا مآرب غير التمسك بأهداب الدين, وإصلاح شباب المسلمين, وهداية غير المسلمين إلى صراط الله الحميد، فكيف يجرؤ المرجفون على النيل من هؤلاء الصالحين ؟

وقد قال فيهم الشيخ عبد المجيد الزنداني

:
“هؤلاء أهل السماء يمشون على الأرض”.


فأي قلب يجترئ على سبهم أو اتهامهم بما ليس فيهم, أنني أزعم أن هدف هذه الجماعة هو هدف حكومة المملكة العربية السعودية، وهو: إصلاح الناس في جميع العالم, ونشر الأمن والأمان في جميع المعمورة,… وإذا إنتهت المحاضرات بعد العشاء وسرحت طرفك يمنة ويسرة رأيتهم وروداً علمية تتفكه فيها حيثما شئت, فأي حلقة تجلس فيها لا بد أن تخرج منها بفائدة، وإذا هدأت الرجل ونامت العين رأيتهم كالأعمدة يصلون قبل النوم، فإذا كان آخر الليل سمعتهم وكأنهم خلية نحل بكاء ونحيب وابتهال إلى الله, بأن يغفر الله ذنوبهم وذنوب المسلمين وأن ينجيهم الله وإخوانهم المسلمين من النار، وأن يهدي الناس جميعاً إلى إحياء سنة المصطفى، وقصار القول أنه اجتماع جدير بأن يحضره كل عالم طالب علم، بل وكل مسلم يخاف الله ويرجو الدار الآخرة, فجزى الله القائمين عليه خير الجزاء وثبتهم وأعانهم, ونفع بهم المسلمين, إنه سميع مجيب .


أما القائمون على الخدمة فكلهم من حفظه القرآن الكريم، فصاحب المطحنة يطحن باسم الله وبالتكبير والتسبيح، وصاحب المعجنة يعجن باسم الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله، والخبازين يخبزون بإسم الله وبذكر الله والتسبيح والتحميد والتكبير أيضاً، وقد شاهدناهم وسمعناهم وهم لا يشعرون, فسبحان من فتح بصائرهم ووفقهم لذكراه, ودلهم على الطريق الصحيح الذي يتمناه كل مسلم .


والحقيقة يا سماحة الشيخ أن كل من صحبهم لا بد أن يكون داعية إلى الله بالتمرين وطول الصحبة، فيا ليتني عرفتهم منذ أن كنت طالباً في الجامعة لكنت اليوم علامة في الدعوة وسائر العلوم.


وهذا ! والله ما أدين الله به، وسيسألني الجبار سبحانه عن ذلك, يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا يغني أحد عن أحد .


ويا ليت جميع الدعاة التابعين لرئاستكم المباركة يشتركون في هذا الاجتماع, ويخرجون مع هذه الجماعة, ليتعلموا الإخلاص, وأسلوب  الدعوة، وأخلاق الصحابة والتابعين واتباعهم رضوان الله عليهم أجمعين

.


وختاماً أسأل الله سبحانه أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يلهمنا رشدنا ويوفقنا للإخلاص والصواب, وأن يكفينا شرور أنفسنا والهوى والشيطان, وأن ينصر دينه ويعلي كلمته, وأن يعز حكومتنا بالإسلام ويعز الإسلام بها, إنه ولي ذلك والقادر عليه, وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه .

كتبه ابنكم صالح بن علي الشويمان

مندوب الدعوة والإرشاد بمنطقة عنيزة

3 responses to this post.

  1. Posted by العبسي هادي on January 22, 2011 at 03:32

    مقاصد الدعوة في سبيل الله اشهد ان لإله إلا الله وأن محمد رسول الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العلمين والصلاة والسلام على خاتم ألأنبياء ورسل الله أجمعين قال الله تعالى في محكم أيآته  ُقلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ  الخروج في سبيل الله هو أمر إلهي امرنا به الله في كتابه باكثر من موضع وحث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحايه في السنة المطهرة, وعمل به اصحاب رسول الله من بعده , وقد امرتا الله بألأخذ بألأسباب المؤدية إليه ولذا وجب علينا أن نأخذ بها وبما يترتب عليه الخروج في سبيل الله والقيام بأسبابه , وهذه ألاسباب ملزمة لكل من يخرج في سبيل الله, وحال العمل يهذه ألاسباب تتحقق الفائدة المرجوة بإرادة الله وقوته وتمكينه, ويكون في ذلك نصر وتمكين من الله في الدنيا وفلاح وفوز في ألآخرة. الصفات الست التي يجب أن يتحلى بها الخارجين في سبيل الله إن فلاح الدنيا فيعتمد على الصفات التي يجب أن يتحلى بها كل مسلم , هذه الصفات تجعل سلوك المؤمن ومظهره وتصرفه ومعاملاته ومعاشراته سلوكا ربانيا قائم على مدى إمتثاله لدين الله قلبا وقالبا في السر والعلن, في اليسر والعسر , وهذه الصفات لها ترتيب ونظام يقصد به التدريب على ألامتثال لاوامر الله والخشية منه فبمذاكرتها والعمل بأصولها هو إستلهام لطريق الرسول صلى الله عليه وسلم في السلوك وإقتدأً لصحبته رضي الله عنه في ألإتباع, قال تعالى الفتح 29((مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا )) و الصفات الست هي الصفة ألأولى تحقيق الكلمة الطيبة((أشهد أن لإله إلا الله وان محمد رسول الله)) قولاً وإعتقادا وعملا تحقيق اليقين على الله بالكلمة الطيبة المباركة وبالتوحيد والتعظيم والعبادة الخالصة لله,وتحثنا مذاكرتها على ان نؤكد يقيننا بالله في كل شيئ , وعلى أن نثق يه ثقة مطلقة في كل شيئ , وأن نعلم علم اليقين يإنه لايضر نا شيئ ولاينفعنا شيئ إلا بأمر الله, قال الله تعالىألأعراف188((قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )) ,,لرعد 16((قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ )) , الفرقان 3((وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا )) , لفتح ((11سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)) لذلك علينا تعظيم الله بالقول يالشهادة لما فيهامن علم بقدرة الله في الخلق وأحقيته المطلقة في ألألوهية التي تتحقق فيها عبودية الخلق له وحده طوعا وكرهاالبقرة21(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )) قال تعالى النحل 36((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ))قال تعالى يونس 106((وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ )). فالشهادة كلمة عظيمة من خلالها يتحقق ألإسلام بمعناه الصحيح لله سبحانه وتعالى فإطلاق العبودية لله تستدعي إقامة أمره وإتباع ماجاء به رسوله قال تعالى البقرة 165(( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ )) قال الله ألأنعام 102(( ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ )) وقال تعالىألأعراف 158(( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )) البقرة 238((حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ )) 48النحل(( أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ )) قوله تعالى” وأنتم داخرون ” أي صاغرون أذلاء ، لأنهم إذا رأوا وقوع ما أنكره فلا محالة يذلون . وقيل : أي ستقوم القيامة وإن كرهتم ، فهذا أمر واقع على رغمكم وإن أنكرتموه اليوم ” من شيء ” يعني من جسم قائم له ظل من شجرة أو جبل، قاله ابن عباس. وإن كانت الأشياء كلها سميعة مطيعة لله تعالى. ” يتفيأ ظلاله أي يميل من جانب إلى جانب، ويكون أول النهار على حال ويتقلص ثم يعود في أخر النهار على حالة آخرى، فدورانها وميلانها من موضع إلى موضع سجودها، ومنه قيل للظل بالعشي: فيء، لأنه فاء من المغرب إلى المشرق، أي رجع. والفيء الرجوع، ومنه ” حتى تفيء إلى أمر الله ” ( الحجرات: 9). روي معنى هذا القول عن الضحاك وقتادة وغيرهما، وقد مضى هذا المعنى في سورة ( الرعد). وقال الزجاج: يعني سجود الجسم، وسجوده انقياده وما يرى فيه من أثر الصنعة، وهذا عام في كل جسم. ومعنى ” وهم داخرون ” أي خاضعون صاغرون. والدخور: الصغار والذل. يقال: دخر الرجل ( بالفتح) فهو داخر، وأدخره الله. وقال ذو الرمة: فلم يبق إلا داخر في مخيس ومنجحر في غير أرضك في جحر كذا نسبه الماوردي لذي الرمة، ونسبه الجوهري للفرزدق وقال: المخيس اسم سجن كان بالعراق، أي موضع التذلل. وقال: أما تراني كسياً مكيساً بنيت بعد نافع مخيساً ، واليمين والشمائل، أو اليمين والشمال ، لأن المعنى للكثرة. وأيضاً فمن شأن العرب إذا اجتمعت علامتان في شيء واحد أن تجمع إحداهما وتفرد الأخرى، كقوله تعالى: ” ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ” ( البقرة: 7) وكقوله: ” ويخرجهم من الظلمات إلى النور ” ( المائدة: 16) ولو قال على أسماعهم وإلى الأنوار لجاز. ويجوز أن يكون رد اليمين على لفظ ( ما) والشمال على معناها. ومثل هذا في الكلام كثير. قال الشاعر: الواردون وتيم في ذرا سبإ قد عض أعناقهم جلد الجواميس ولم يقل جلود. وقيل: وحد اليمين لأن الشمس إذا طلعت وأنت متوجه إلى القبلة انبسط الظل على اليمين ثم في حال يميل إلى جهة الشمال ثم خالات، فسماها شمائل. الصفة الثانية : الصلاة ذات الخشوع والخضوع قال تعالى((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ”)), المؤمنون 1 ” خاشعون ” خائفون ساكنون وكذا روي عن مجاهد والحسن وقتادة والزهري وعن علي بن أبي طالب ” الخشوع خشوع القلب قال الشاعر:( ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع لأن بها الآراب لله تخضع) ( وأول فرض من شريعة ديننا وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع ) (فمن قام للتكبير لاقته رحمة وكان كعبد لباب مولاه يقرع )(وصار لرب العرش حين صلاته نجياً فيا طوباه لو كان يخشع) وكذا قال إبراهيم النخعي وقال الحسن البصري كان خشوعهم في قلوبهم فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح وقال محمد بن سيرين كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة فلما نزلت هذه الآية ” قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ” خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم قال محمد بن سيرين وكانوا يقولون لا يجاوز بصره مصلاة فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض رواه ابن جرير وابن حاتم ثم روى ابن جرير عنه وعن عطاء بن أبي رباح أيضا مرسلا أن رسول الله كان يفعل ذلك حتى نزلت هذه الآية والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها واشتغل بها عما عداها وآثرها على غيرها وحينئذ تكون راحة له وقرة عين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ” حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة “.وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا مسعر عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن رجل من أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” يا بلال أرحنا بالصلاة “وقال الإمام أحمد أيضا ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن سالم ابن أبي الجعد أن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار فحضرت الصلاة فقال يا جارية ائتني بوضوء لعلي أصلي فأستريح فرآنا أنكرنا عليه ذلك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ” قم يا بلال فأرحنا بالصلاة “وقوله تعالى: ” خاشعون ” روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال: ” كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية ” الذين هم في صلاتهم خاشعون “. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد “. وفي رواية هشيم: كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله تعالى ” قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون “، فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في ((البقرة)) عند قوله: ” فول وجهك شطر المسجد الحرام ” [البقرة: 144] أيضاً معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضاً عند قوله تعالى: ” وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين “. “لكبيرة” معناه ثقيلة شاقة ، خبر إن . ويجوز في غير القرآن : وإنه لكبيرة . “إلا على الخاشعين” فإنها خفيفة عليهم . قال أرباب المعاني : إلا على من أيد في الأزل بخصائص الاجتباء والهدى . الثامنة : قوله تعالى : “على الخاشعين” الخاشعون جمع خاشع وهو المتواضع . والخشوع : هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع . وقال قتادة : الخشوع في القلب ، وهو الخوف وغض البصر في الصلاة . قال الزجاج : الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه ، كخشوع الدار بعد الإقواء . هذا هو الأصل . قال النابغة : ‌رماد ككحل العين لأيا أبينه ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع‌ ومكان خاشع : لا يهتدى له . وخشعت الأصوات أي سكنت وخشع ببصره إذا غضه . والخشعة : قطعة من الأرض رخوة ، وفي الحديث : “كانت خشعة على الماء ثم دحيت بعد” . وبلدة خاشعة : مغبرة لا منزل بها . قال سفيان الثوري : سألت الأعمش عن الخشوع فقال: يا ثوري ، أنت تريد أن تكون إماماً للناس ولا تعرف الخشوع ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع ، فقال : أعيمش ! تريد أن تكون إماماً للناس ولا تعرف الخشوع !ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس ! لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء ، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك . ونظر عمر بن الخطاب إلى شاب قد نكس رأسه فقال : يا هذا ! ارفع رأسك ، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب . وقال علي بن أبي طالب : الخشوع في القلب ، وأن تلين كفيك للمرء المسلم ، وألا تلتفت في صلاتك . [البقرة: 45]. والخشوع محله القلب، فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه، إذا هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء : هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. ” وأبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه “. وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى “. رواه الترمذي ” “. وروى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره : لا يكون خاشعاً حتى تخشع كل شعرة على جسده ، لقول الله تبارك وتعالى : “تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم” . قلت : هذا هو الخشوع المحمود ، لأن الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه ، فتراه مطرقاً متأدباً متذللاً . ، وأما المذموم فتكلفه والتباكي ومطأطأة الرأس كمايفعله الجهال ليروا بعين البر والإجلال ، وذلك خدع من الشيطان ، وتسويل من نفس الإنسان . روى الحسن أن رجلاً تنفس عند عمر بن الخطاب كأنه يتحازن ، فلكزه عمر ، أو قال لكمه .البقرة 3((الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ))إن إقامة الصلاة هي تحقيق للإيمان بالله قال تعالىالنساء 142(( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً )) فالتكاسل في الصلا ةهي من صفات المنافقين المائدة 55(( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ )) في هذه ألآية ربط الله بين صفتين وفيه احقية الولاية لمن يقيم الصلاة , ولذالك علينا أن نستحضر التدير والخشوع والتذلل لله سبحانه وتعالى ولا ننشغل بفكرنا أثناء الصلاة بغير ذكر الله وتعظيمه ولذلك كثيرا من الناس عند حضور الصلاة ينشغلوا بالوساوس وألاوهام التي يلبسها عليهم ابليس لعنة الله عليه, ولا يأتي التدبر في الصلاة إلا بالتمرن وألإكثار منها بالنوافل والسنن والتطوع, ونرجو الله العفو والمغفرة في كل صلاة ونلح الطلب فيها والدعاء بالنصرة والبركة والخير في الدنيا وألأخرة . الصفة الثالثة: العلم معى الذكر البقرة 120((قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ)) يبين الله سبحنه وتعالى في هذه ألأية أن العلم الحقيقي هو علم القرآن المفصل لكل شيئ إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور” وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث ولكن العلم عن كثرة الخشية. وقال أحمد بن صالح المصري عن ابن وهب عن مالك قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية وإنما العلم نور يجعله الله في القلب. قال أحمد بن صالح المصري معناه أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية وإنما العلم الذي فرض الله عز وجل أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من أئمة المسلمين فهذا لا يدرك إلا بالرواية ويكون تأويل قوله: نور يريد به فهم العلم ومعرفة معانيه. وقال سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن رجل قال: كان يقال العلماء ثلاثة عالم بالله عالم بأمر الله وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله; فالعالم بالله وبأمر الله الذي يخشى الله تعالى ويعلم الحدود والفرائض والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود والفرئض والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله عز وجل وقوله تعالى ” كلا لو تعلمون علم اليقين ” أي لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة حتى صرتم إلى المقابر.قوله تعالى:” الذي علم بالقلم” فيه ثلاث مسائل: الأولى : قوله تعالى: ” الذي علم بالقلم” يعني الخط والكتابة، أي علم الإنسان الخط بالقلم. وروى سعيد عن قتادة قال: القلم نعمة من الله تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش. فدل على كمال كرمه سبحانه، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة، لما فيه من المنافع العظيمة، التي لا يحيط بها إلا هو. وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولاضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، لو لا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا. وسمي قلما لأن يقلم، أي يقطع، ومنه تقليم الظفر. وقال بعض الشعراء المحدثين يصف القلم: فكأنه والحبر يخضب رأسه شيخ لوصل خريدة يتصنع لم لا ألاحظه بعين جلاله وبه إلى الله الصحائف ترفع و”عن عبدالله بن عمر قال: يا رسول الله، أأكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال: (نعم فاكتب، فإن الله علم بالقلم) ” . وروى مجاهد عن ابن عمر قال: خلق الله عز وجل أربعة أشياء بيده، ثم قال لسائر الحيوان: كن فكان : القلم، والعرش، وجنة عدن، وآدم عليه السلام. وفيمن علمه بالقلم ثلاثة أقاويل أحدها: أنه آدم عليه السلام، لأنه أول من كتب، قاله كعب الأحبار. الثاني : أنه إدريس، وهو أول من كتب. قاله الضحاك. الثالث: أنه أدخل كل من كتب بالقلم، لأنه ما علم إلا بتعليم الله سبحانه، وجمع بذلك نعمته عليه في خلقه، وبين نعمته عليه في تعليمه، استكمالاً للنعمة عليه. الثانية: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة، قال: لما خلق الله الخلق كتب في كتابه- فهو عنده فوق العرش-: (إن رحمتي تغلب غضبي). و” ثبت عنه عليه السلام أنه قال: (اول ما خلق الله: القلم، فقال له اكتب، فكتب ما يكون إلى يوم القيامة، فهو عنده في الذكر فوق عرشه). ” و” في الصحيح من حديث ابن مسعود: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكاً فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم يقول، يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله، فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول يا رب رزقه، ليقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص، قال تعالى:” وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين” [الإنفطار:10-11] ” . قال علماؤنا: فالأقلام في الأصل ثلاثة: القلم الأول: الذي خلقه الله بيده، وأمره أن يكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله، فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول يا رب رزقه، ليقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص، وقال تعالى: ” وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين” [الإنفطار:10-11]. قال علماؤنا: فالأقلام في الأصل ثلاثة: القلم الأول: الذي خلقه الله بيده، وأمره أن يكتب. والقلم الثاني: أقلام الملائكة، جعلها الله بأيديهم يكتبون بها المقادير والكوائن والأعمال. والقلم الثالث: أقلام الناس، جعلها الله بأيديهم، يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها مآربهم. وفي الكتابة فضائل جمة. والكتابة من جملة البيان، والبيان مما اختص به الآدمي. الثالثة: قال علماؤنا: كانت العرب أقل الخلق معرفة بالكتاب، وأقل العرب معرفة به المصطفى صلى الله عليه وسلم، صرف عن علمه، ليكون ذلك أثبت لمعجزته، وأقوى في حجته،. الصفة الرابعةإكرام المسلمين فيه ثمان مسائل : الأولى :قوله تعالى : “ليس البر” اختلف من المراد بهذا الخطاب ، فقال قتادة : ذكر لنا أن رجلاً سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن البر ، فأنزل الله هذه الآية . قال : وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، ثم مات على ذلك وجبت له الجنة ، فأنزل الله هذه الآية . وقال الربيع و قتادة ايضاً : الخطاب لليهود والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي ، فاليهود إلى المغرب قبل بيت المقدس ، والنصارى إلى المشرق مطلع الشمس ، وتكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل فرقة توليتها ، فقيل لهم : ليس البر ما أنتم فيه ، ولكن البر من آمن بالله . الثانية : قرأ حمزة وحفص البر بالنصب ، لأن ليس من أخوات كان ،يقع بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الاسم أو الخبر ، فلما وقع بعد ليس : البر نصبه ، وجعل أن تولوا الاسم ،وكان المصدر أولى بأن يكون اسماً لأنه لا يتنكر ، والبر قد يتنكر والفعل أقوى في التعريف . وقرأ الباقون البر بالرفع على أنه اسم ليس ، وخبره أن تولوا ، تقديره : ليس البر توليتكم وجوهكم ، وعلى الأول ليس توليتكم وجوهكم البر ، كقوله : “ما كان حجتهم إلا أن قالوا” ، “ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا” “فكان عاقبتهما أنهما في النار” وما كان مثله . ويقوي قراءة الرفع أن الثاني معه الباء إجماعاً فيه قوله : “وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها” ولا يجوز فيه إلا الرفع ، فحمل الأول على الثاني أولى من مخالفته له . وكذلك هو في مصحف أبي بالباء ليس البر بأن تولوا وكذلك في مصحف ابن مسعود أيضاً ، وعليه أكثر القراء ، والقراءتان حسنتان . الثالثة : قوله تعالى : “ولكن البر من آمن بالله” البر ها هنا اسم جامع للخير ، والتقدير : ولكن البر بر من آمن ، فحذف المضاف ، كقوله تعالى : “واسأل القرية” ، “وأشربوا في قلوبهم العجل” قاله الفراء و قطرب و الزجاج . وقال الشاعر : فإنما هي إقبال وإدبار أي ذات إقبال وذات إدبا . وقال النابغة : وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب أي كخلاله أبي مرحب ، فحذف . وقيل :المعنى ولكن ذا البر ، كقوله تعالى : “هم درجات عند الله” أي ذوو درجات . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وفرضت الفرائض وصرفت القبلة إلى الكعبة وحدت الحدود أنزل الله هذه الآية فقال : ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك ، ولكن البر ـ أي ذا البر ـ من آمن بالله ، إلى آخرها ، قاله ابن عباس و مجاهد و الضحاك و عطاء و سفيانو الزجاج أيضاً . ويجوز أن يكون البر بمعنى البار والبر ، والفاعل قد يسمى بمعنى المصدر ، كما يقال : رجل عدل ، وصوم وفطر . وفي التنزيل : “إن أصبح ماؤكم غورا” أي غائراً ، وهذا اختيار أبي عبيدة . وقال المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت “ولكن البر” بفتح الباء . الرابعة : قوله تعالى : “والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين” فقيل : يكون الموفون عطفاً على من لأن من في موضع جمع ومحل رفع ، كأنه قال: ولكن البر المؤمنون والموفون ، قاله الفراءو الأخفش . والصابرين نصب على المدح ، أو بإضمار فعل . والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أول الكلام ، وينصبونه . فأما المدح فقوله : “والمقيمين الصلاة” . وأنشد الكسائي : وكل قوم أطاعوا أمر مرشدهم إلا نميرا أطاعت أمر غاويها الظاعنين ولما يظعنوا أحدا والقائلون لمن دار نخليها وأنشد أبو عبيدة : لا يبعدون قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر وقال آخر : نحن بني ضبة أصحاب الجمل فنصب على المدح . وأما الذم فقوله تعالى : “ملعونين أينما ثقفوا” الآية . وقال عروة بن الورد : سقوني الخمر ثم تكنفوني عداة الله من كذب وزر وهذا مهيع في النعوت ، لا مطعن فيه من جهة الإعراب ، موجود في كلام العرب كما بيناه . وقال بعض من تعسف في كلامه : إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الإمام ، قال: والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال : أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها . وهكذا قال في سورة النساء والمقيمين الصلاة ، وفي سورة المائدة “والصابئون” . والجواب ما ذكرناه . وقيل : الموفون رفع على الابتداء والخبر محذوف ، تقديره وهم الموفون . وقال الكسائي : والصابرين عطف على ذوي القربى كأنه قال : وآتى الصابرين . قال النحاس : وهذا القول خطأ وغلط بين ، لأنك إذا نصبت والصابرين ونسقته على ذوي القربى دخل في صلة من وإذا رفعت والموفون على أنه نسق على من فقد نسقت على من من قبل أن تتم الصلة ، وفرقت بين الصلة والموصول بالمعطوف . وقال الكسائي : وفي قراءة عبد الله والموفين ، والصابرين . وقال النحاس : يكونان منسوقين على ذوي القربى أو على المدح . قال الفراء : وفي قراءة عبد الله في النساء : “والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة” . وقرأ يعقوب والأعمش والموفون والصابرون بالرفع فيهما . وقرأ الجحدري بعهودهم . وقد قيل : إن والموفون عطف على الضمير الذي في آمن وأنكره أبو علي وقال : ليس المعنى عليه ، إذ ليس المراد أن البر بر من آمن بالله هو والموفون ، أي آمنا جميعاً . كما تقول : الشجاع من أقدم هو وعمرو ، إنما الذي بعد قوله من آمن تعداد لأفعال من آمن وأوصافهم . الخامسة : قال علماؤنا : وهذه آية عظيمة من أمهات الأحكام ، لأنها تضمنت ست عشرة قاعدة : الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته ـ وقد أتينا عليها في الكتاب الأسنى ـ والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار ـ وقد أتينا عليها في كتاب التذكرة ـ والملائكة والكتب المنزلة وأنها حق من عند الله ـ كما تقدم ـ والنبيين وإنفاق المال فيما يعن من الواجب والمندوب وإيصال القرابة وترك قطعهم وتفقد اليتيم وعدم إهماله والمساكين كذلك ، ومراعاة ابن السبيل ـ قيل المنقطع به ، وقيل : الضيف ـ والسؤال وفك الرقاب . وسيأتي بيان هذا في آية الصدقات ، والمحافظة على الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهود والصبر في الشدائد . وكل قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب . وتقدم التنبيه على أكثرها ، ويأتي بيان باقيها بما فيها في مواضعها إن شاء الله تعالى . واختلف هل يعطى اليتيم من صدقة التطوع بمجرد اليتم على وجه الصلة وإن كان غنياً ، أو لا يعطى حتى يكون فقيراً ، قولان للعلماء . وهذا على أن يكون إيتاء المال غير الزكاة الواجبة ، على ما نبينه آنفاً . السادسة : قوله تعالى : “وآتى المال على حبه” استدل به من قال :إن في المال حقاً سوى الزكاة وبها كمال البر. وقيل : المراد الزكاة المفروضة ، والأول أصح ، لما خرجه الدار قطني ” عن فاطمة بنت قيس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن في المال حقا سوى الزكاة ثم تلا قوله هذه الآية : “ليس البر أن تولوا وجوهكم” إلى آخر الآية ” . وأخرجه ابن ماجة في سننه و الترمذي في جامعه وقال : هذا حديث ليس إسناده بذاك ، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف . وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله وهو أصح . قلت :والحديث وإن كان فيه مقال فقد دل على صحته معنى ما في الاية نفسها من قوله تعالى : “وأقام الصلاة وآتى الزكاة” فذكر الزكاة مع الصلاة وذلك دليل على أن المراد بقوله : “وآتى المال على حبه” ليس الزكاة المفروضة ، فإن ذلك كان يكون تكراراً ، والله أعلم . واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها . قال مالك رحمه الله : يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم . وهذا إجماع أيضاً ، وهو يقوي ما اخترناه ، والموفق الإله . السابعة : قوله تعالى : “على حبه” الضمير في “حبه” اختلف في عوده ، فقيل : يعود على المعطي للمال ، وحذف المفعول وهو المال . ويجوز نصب ذوي القربى بالحب ، فيكون التقدير على حب المعطي ذوي القربى . وقيل : يعود على المال ، فيكون المصدر مضافاً إلى المفعول . قال ابن عطية : ويجيء قوله “على حبه” اعتراضاً بليغاً أثناء القول . قلت : ونظيره قوله الحق “ويطعمون الطعام على حبه مسكينا” فإنه جمع المعنيين ، الاعتراض وإضافة المصدر إلى المفعول ، أي على حب الطعام . ومن الاعتراض قوله الحق : “ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك” وهذا عندهم يسمى التتميم ، وهو نوع من البلاغة ، ويسمى أيضاً الاحتراس والاحتياط ، فتمم بقوله “على حبه” وقوله : “وهو مؤمن” ، ومنه قول زهير : من يلق يوما على علاته هرما يلق السماحة منه والندى خلقا وقال امرؤ القيس : على هيكل يعطيك قبل سؤاله أفانين جري غير كز ولا وان فقوله : على علاته و قبل سؤاله تتميم حسن ، ومنه قول عنترة : أثني علي بما علمت فإنني سهل مخالفتي إذا لم أظلم فقوله إذا لم أظلم تتميم حسن . وقا لطرفة : فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمي وقال الربيع بن ضبع الفزاري : فنيت وما يفنى صنيعي ومنطقي وكل امرىء إلا أحاديثه فان فقوله : غير مفسدها ، و إلا أحاديثه تتميم واحتراس . وقال ابو هفان : فأفنى الردى أرواحنا غير ظالم وأفنى الندى أموالنا غير عائب فقوله غير ظالم ، و غير غائب تتميم واحتياط ، وهو في الشعر كثير . وقيل :يعود على الإيتاء ، لأن الفعل يدل على مصدره ، وهو كقوله تعالى : “ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم” أي البخل خيراً لهم ، فإذا اصابت الناس حاجة أو فاقة فإيتاء المال حبيب إليهم . وقيل : يعود على اسم الله تعالى في قوله : “من آمن بالله” . والمعنى المقصود أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمن البقاء . الثامنة : قوله تعالى : “والموفون بعهدهم إذا عاهدوا” أي فيما بينهم وبين الله تعالى وفيما بينهم وبين الناس . “والصابرين في البأساء والضراء” البأساء : الشدة والفقر . والضراء : :المرض والزمانة ، قاله ابن مسعود . وقال عليه السلام : “يقول الله تعالى أيما عبد من عبادي ابتليته ببلاء في فراشه فلم يشك إلي عواده أبدلته لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه فإن قبضته فإلى رحمتي وإن عافيته عافيته وليس له ذنب . قيل :يا رسول الله ، ما لحم خير من لحمه ؟ قال : لحم لم يذنب . قيل: فما دم خير من دمه ؟ قال : دم لم يذنب” . والبأساء والضراء اسمان بنيا على فعلاه ، ولا فعل لهما ، لأنهما اسمان وليسا بنعت . “وحين البأس” أي وقت الحرب . قوله تعالى : “أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون” وصفهم بالصدق والتقوى في أمورهم والوفاء بها ، وأنهم كانوا جادين في الدين ، وهذا غاية الثناء . والصدق : خلاف الكذب . ويقال : صدقوهم القتال . والصديق : الملازم للصدق ، وفي الحديث : “عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا” . الصفة الخامسة:تصحيح النية قوله تعالى : ألأعراف 24((قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ )) قوله تعالى “قل أمر ربي بالقسط” أي بالعدل والاستقامة “وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين” أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله وما جاءوا به من الشرائع وبالإخلاص له في عبادته فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين أن يكون صوابا موافقا للشريعة وأن يكون خالصا من الشرك. وقوله تعالى “كما بدأكم تعودون” إلى قوله “الضلالة” اختلف في معنى قوله “كما بدأكم تعودون” فقال ابن أبي نجيح عن مجاهد “كما بدأكم تعودون” يحييكم بعد موتكم. وقال الحسن البصري كما بدأكم في الدنيا كذلك تعودون يوم القيامة أحياء وقال قتادة “كما بدأكم تعودون” قال بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئا ثم ذهبوا ثم يعيدهم وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كما بدأكم أولا كذلك يعيدكم آخرا واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال “يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين”. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث شعبة وفي حديث البخاري أيضا من حديث الثوري به. وقال ورقاء بن إياس أبو يزيد عن مجاهد “كما بدأكم تعودون” قال يبعث المسلم مسلما والكافر كافرا وقال أبو العالية “كما بدأكم تعودون” ردوا إلى علمه فيهم وقال سعيد بن جبير كما بدأكم تعودون كما كتب عليكم تكونون وفي رواية كما كنتم عليه تكونون وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى “كما بدأكم تعودون” من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه وإن عمل بأعمال أهل السعادة ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدئ خلقه عليه وإن عمل بأعمال أهل الشقاء كما أن السحرة عملوا بأعمال أهل الشقاء ثم صاروا إلى ما ابتدءوا عليه وقال السدي “كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة” يقول “كما بدأكم تعودون” كما خلقناكم فريق مهتدون وفريق ضلال كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله “كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة” قال إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنا وكافرا كما قال “هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن” ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنا وكافرا قلت ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري “فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة “وقال أبو القاسم البغوي حدثنا علي بن الجعد حدثنا أبو غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة وإنما الأعمال بالخواتيم” هذا قطعة من حديث البخاري من حديث أبي غسان محمد بن مطرف المدني في قصة قزمان يوم أحد وقال ابن جرير حدثني ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “تبعث كل نفس على ما كانت عليه”. وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه عن الأعمش به ولفظه “يبعث كل عبد على ما مات عليه” وعن ابن عباس مثله قلت ويتأيد بحديث ابن مسعود قلت ولابد من الجمع بين هذا القول إن كان هو المراد من الآية وبين قوله تعالى “فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها” وما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه” وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم” الحديث ووجه الجمع على هذا أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده والعلم بأنه لا إله غيره كما أخذ عليهم الميثاق بذلك وجعله في غرائزهم وفطرهم ومع هذا قدر أن منهم شقيا ومنهم سعيدا “هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن” وفي الحديث “كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها”. وقدر الله نافذ في بريته فإنه هو “الذي قدر فهدى” و “الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى” وفي الصحيحين “فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة” “قال الله(( هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ))” أي صدقهم في الدنيا فأما في الآخرة فلا ينفع فيها الصدق وصدقهم في الدنيا يحتمل أن يكون صدقهم في العمل لله، ويحتمل أن يكون تركهم الكذب عليه وعلى رسله، وإنما نفهم الصدق في ذلك اليوم وإن كان نافعاً كل الأيام لوقع الجزاء فيه وقيل: المراد صدقهم في الآخرة وذلك في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ وفيما شهدوا به على أنفسهم من أعمالهم ويكون وجه النفع فيه أن يكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم والله أعلم وقرأ نافع وابن محيصن يوم بالنصب ورفع الباقون وهي القراءة البينة على الابتداء والخبر فيوم ينفع خبر ل هذا والجملة في موضع نصب بالقول وأما قراءة نافع وابن محيصن فحكى إبراهيم بن حميد بن محمد بن يزيد أن هذه القراءة لا تجوز، لأنه نصب خبر الابتداء ول يجوز فيه البناء وقال إبراهيم بن السري: هي جائزة بمعنى قال الله هذا لعيسى ابن مريم ينفع الصادقين صدقهم ف يوم ظرف للقول وهذا مفعول القول والتقدير قال الله هذا القول في يوم ينفع الصادقين. وقيل: التقدير قال الله عز وجل هذه الأشياء تنفع يوم القيامة، وقال الكسائي والفراء: بني يوم ها هنا على انصب لأنه مضاف إلى غير اسم كما تقول: مضى يومئذ وأنشد الكسائي . على حين عاتبت المشيب لعى الصبا وقلت ألما أصح الشيب وازع الزجاج: ولا يجوز البصريون ما قالاه إذا أضفت الظرف إلى فعل مضارع. فإن كان إلى ماض كان جيداً كما مر في البيت، وإنما جاز أن يضاف الفعل إلى ظروف لزمان، لأن الفعل بمعنى المصدر وقيل: يجوز أن يكون منصوباً ظرفاً ويكون خبر الابتداء الذي هو هذا لأنه مشار به إلى حدث وظروف الزمان تكون أخباراً عن الأحداث تقول: القتال اليوم، والخروج الساعة والجملة في موضع نصب بالقول وقيل: يجوز أن يكون هذا في موضع رفع بالابتداء ويوم خبر الابتداء والعامل فيه محذوف والتقدير قال الله هذا الذي قصصناه يقع يوم ينفع الصادقين صدقهم وفيه قراءة ثالثة ” يوم ينفع ” بالتنوين ” الصادقين صدقهم ” في الكلام حذف تقديره فيه مثل قوله ” واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا” [البقرة: 48] وهي قراء ةالأعمش. قوله تعالى :” لهم جنات ” ابتداء وخبر ” تجري ” في موضع الصفة ” من تحتها” أي من تحت غرفها وأشجارها وقد تقدم ثم بين تعالى ثوابه وأنه راض عنهم رضاً لا يغضب بعده أبداً “ورضوا عنه ” أي عن الجزاء الذي أثابهم به ” ذلك الفوز ” أي الظفر ” العظيم ” أي الذي عظم خيره وكثر، وارتفعت منزلة صاحبه وشرف . قال تعالى المائدة119((قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )) التوبة 100((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )) . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ( المخلصين) بكسر اللام، وتأويلها الذين اخلصوا طاعة الله. وقرأ الباقون بفتح اللام، وتأويلها: الذي أخلصهم الله لرسالته، وقد كان يوسف صلى الله عليه وسلم بهاتين الصفتين، لأنه كان مخلصاً في طاعة الله تعالى، مستخلصاً لرسالة الله تعالى قوله تعالى : ” فإذا ركبوا في الفلك ” يعني السفن وخافوا الغرق ت” دعوا الله مخلصين له الدين ” أي صادقين في نياتهم ، وتركو عبادة الأصنام ودعاءها . ” فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ” أي يدعون معه غيره ، وما لم ينزل به سلطاناً . وقيل : إشراكهم أن يقول قائلهم لولا الله والرئيس أو الملاح لغرقنا ، فيجعلون ما فعل الله لهم من النجاة قنمة بين الله وبين خلقه وتصحيح النية لا ياتي إلا بألأخلاص لله في دينه. لعنكبوت 6((وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ )) قال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد وما ضرب يوم من الدهر بسيف الصفة السادسة :الخروج في سبيل الله . لعنكبوت 6((وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ )) قال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد وما ضرب يوم من الدهر بسيف فيه خمس مسائل : الأولى : لما قص الله سبحانه ما فيه من البراهين ، حث على الجهاد ، وأعلم أن من جاهد بعد هذا البرهان الذي لا يأتي به إلا نبي فله في جهاده الثواب العظيم . روى البستي في صحيح مسنده عن ابن عمر قال : “لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رب زد أمتي ، فنزلت “من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رب زد أمتي” . فنزلت “يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب” . وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها ، وضمنها التحريض على ذلك . وفي الكلام حذف مضاف تقديره مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة . وطريق آخر : مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع رزع في الأرض حبة فأنبتت الجبة سبع سنابل ، يعني أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، فشبه المتصدق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة ، ثم قال تعالى : “والله يضاعف لمن يشاء” يعني على سبعمائة ، فيكون مثل المتصدق مثل الزارع ، إن كان حاذقاً في عمله ، ويكون البذر جيداً وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر ، فكذلك المتصدق إذا كان صالحاً والمال طيباً ويضعه موضعه فيصير الثواب أكثر ، خلافاً لمن قال : ليس في الآية تضعيف على سبعمائة ، على ما نبينه إن شاء الله . الثانية : روي أن هذه الاية نزلت في شان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما : “وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف فقال : يا رسول الله ، كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف ، وأربعة آلاف أقرضتها لربي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت” . وقال عثمان : يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له ، فنزلت هذه الآية فيهما . وقيل نزلت في نفقة التطوع . وقيل : نزلت قبل آية الزكاة ثم نسخت بآية الزكاة ، ولا حاجة إلى دعوى النسخ ، لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كل وقت . وسبل الله كثيرة ، وأعظمها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا . الثالثة : قوله تعالى : “كمثل حبة” الحبة اسم جنس لكل ما يزرعه ابن آدم ويقتاته ،وأشهر ذلك البر فكثيراً ما يراد بالحب: ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها ، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف . واختلف العلماء في معنى قوله “والله يضاعف لمن يشاء” فقالت طائفة : هي مبينة مؤكدة لما تقدم من ذكر السبعمائة ، وليس ثم تضعيف فوق السبعمائة . وقالت طائفة من العلماء : بل هو إعلام بأن الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف . قلت : وهذا القول أصح لحديث ابن عمر المذكور أول الآية . وروي ابن ماجة حدثنا هارون بن عبد الله الحمال حدثنا ابن ابي فديك عن الخليل بن عبد الله عن الحسن بن علي بن ابي طالب وأبي الدرداء وعبد الله بن عمر و أبي أماما الباهلي وعبد الله بن عمرو وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين كلهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : “من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم ـ ثم تلا هذه الآية ـ والله يضاعف لمن يشاء الله” . وقد روي عن ابن عباس أن التضعيف ينتهي لمن شاء الله إلى ألفي ألف . قال ابن عطية : وليس هذا بثابت الإسناد عنه . الخامسة : في هذه الآية دليل على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس والمكاسب التي يشتغل بها العمال ، ولذلك ضرب الله به المثل فقال : “مثل الذين ينفقون أموالهم” الآية . وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : “ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة” . وروى هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “التمسوا الرزق في خبايا الأرض” يعني الزرع ، أخرجه الترمذي . وقال صلى الله عليه وسلم في النخل : “هي الراسخات في الوحل المطعمات في المحل” . وهذا خرج مخرج المدح . والزراعة من فروض الكفاية فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كا

    Reply

  2. Posted by العبسي هادي on January 22, 2011 at 03:22

    مقاصد الدعوة في سبيل الله اشهد ان لإله إلا الله وأن محمد رسول الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العلمين والصلاة والسلام على خاتم ألأنبياء ورسل الله أجمعين قال الله تعالى في محكم أيآته  ُقلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ  الخروج في سبيل الله هو أمر إلهي امرنا به الله في كتابه باكثر من موضع وحث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحايه في السنة المطهرة, وعمل به اصحاب رسول الله من بعده , وقد امرتا الله بألأخذ بألأسباب المؤدية إليه ولذا وجب علينا أن نأخذ بها وبما يترتب عليه الخروج في سبيل الله والقيام بأسبابه , وهذه ألاسباب ملزمة لكل من يخرج في سبيل الله, وحال العمل يهذه ألاسباب تتحقق الفائدة المرجوة بإرادة الله وقوته وتمكينه, ويكون في ذلك نصر وتمكين من الله في الدنيا وفلاح وفوز في ألآخرة. الصفات الست التي يجب أن يتحلى بها الخارجين في سبيل الله إن فلاح الدنيا فيعتمد على الصفات التي يجب أن يتحلى بها كل مسلم , هذه الصفات تجعل سلوك المؤمن ومظهره وتصرفه ومعاملاته ومعاشراته سلوكا ربانيا قائم على مدى إمتثاله لدين الله قلبا وقالبا في السر والعلن, في اليسر والعسر , وهذه الصفات لها ترتيب ونظام يقصد به التدريب على ألامتثال لاوامر الله والخشية منه فبمذاكرتها والعمل بأصولها هو إستلهام لطريق الرسول صلى الله عليه وسلم في السلوك وإقتدأً لصحبته رضي الله عنه في ألإتباع, قال تعالى الفتح 29((مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا )) و الصفات الست هي الصفة ألأولى تحقيق الكلمة الطيبة((أشهد أن لإله إلا الله وان محمد رسول الله)) قولاً وإعتقادا وعملا تحقيق اليقين على الله بالكلمة الطيبة المباركة وبالتوحيد والتعظيم والعبادة الخالصة لله,وتحثنا مذاكرتها على ان نؤكد يقيننا بالله في كل شيئ , وعلى أن نثق يه ثقة مطلقة في كل شيئ , وأن نعلم علم اليقين يإنه لايضر نا شيئ ولاينفعنا شيئ إلا بأمر الله, قال الله تعالىألأعراف188((قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )) ,,لرعد 16((قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ )) , الفرقان 3((وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا )) , لفتح ((11سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)) لذلك علينا تعظيم الله بالقول يالشهادة لما فيهامن علم بقدرة الله في الخلق وأحقيته المطلقة في ألألوهية التي تتحقق فيها عبودية الخلق له وحده طوعا وكرهاالبقرة21(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )) قال تعالى النحل 36((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ))قال تعالى يونس 106((وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ )). فالشهادة كلمة عظيمة من خلالها يتحقق ألإسلام بمعناه الصحيح لله سبحانه وتعالى فإطلاق العبودية لله تستدعي إقامة أمره وإتباع ماجاء به رسوله قال تعالى البقرة 165(( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ )) قال الله ألأنعام 102(( ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ )) وقال تعالىألأعراف 158(( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )) البقرة 238((حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ )) 48النحل(( أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ )) قوله تعالى” وأنتم داخرون ” أي صاغرون أذلاء ، لأنهم إذا رأوا وقوع ما أنكره فلا محالة يذلون . وقيل : أي ستقوم القيامة وإن كرهتم ، فهذا أمر واقع على رغمكم وإن أنكرتموه اليوم ” من شيء ” يعني من جسم قائم له ظل من شجرة أو جبل، قاله ابن عباس. وإن كانت الأشياء كلها سميعة مطيعة لله تعالى. ” يتفيأ ظلاله أي يميل من جانب إلى جانب، ويكون أول النهار على حال ويتقلص ثم يعود في أخر النهار على حالة آخرى، فدورانها وميلانها من موضع إلى موضع سجودها، ومنه قيل للظل بالعشي: فيء، لأنه فاء من المغرب إلى المشرق، أي رجع. والفيء الرجوع، ومنه ” حتى تفيء إلى أمر الله ” ( الحجرات: 9). روي معنى هذا القول عن الضحاك وقتادة وغيرهما، وقد مضى هذا المعنى في سورة ( الرعد). وقال الزجاج: يعني سجود الجسم، وسجوده انقياده وما يرى فيه من أثر الصنعة، وهذا عام في كل جسم. ومعنى ” وهم داخرون ” أي خاضعون صاغرون. والدخور: الصغار والذل. يقال: دخر الرجل ( بالفتح) فهو داخر، وأدخره الله. وقال ذو الرمة: فلم يبق إلا داخر في مخيس ومنجحر في غير أرضك في جحر كذا نسبه الماوردي لذي الرمة، ونسبه الجوهري للفرزدق وقال: المخيس اسم سجن كان بالعراق، أي موضع التذلل. وقال: أما تراني كسياً مكيساً بنيت بعد نافع مخيساً ، واليمين والشمائل، أو اليمين والشمال ، لأن المعنى للكثرة. وأيضاً فمن شأن العرب إذا اجتمعت علامتان في شيء واحد أن تجمع إحداهما وتفرد الأخرى، كقوله تعالى: ” ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ” ( البقرة: 7) وكقوله: ” ويخرجهم من الظلمات إلى النور ” ( المائدة: 16) ولو قال على أسماعهم وإلى الأنوار لجاز. ويجوز أن يكون رد اليمين على لفظ ( ما) والشمال على معناها. ومثل هذا في الكلام كثير. قال الشاعر: الواردون وتيم في ذرا سبإ قد عض أعناقهم جلد الجواميس ولم يقل جلود. وقيل: وحد اليمين لأن الشمس إذا طلعت وأنت متوجه إلى القبلة انبسط الظل على اليمين ثم في حال يميل إلى جهة الشمال ثم خالات، فسماها شمائل. الصفة الثانية : الصلاة ذات الخشوع والخضوع قال تعالى((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ”)), المؤمنون 1 ” خاشعون ” خائفون ساكنون وكذا روي عن مجاهد والحسن وقتادة والزهري وعن علي بن أبي طالب ” الخشوع خشوع القلب قال الشاعر:( ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع لأن بها الآراب لله تخضع) ( وأول فرض من شريعة ديننا وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع ) (فمن قام للتكبير لاقته رحمة وكان كعبد لباب مولاه يقرع )(وصار لرب العرش حين صلاته نجياً فيا طوباه لو كان يخشع) وكذا قال إبراهيم النخعي وقال الحسن البصري كان خشوعهم في قلوبهم فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح وقال محمد بن سيرين كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة فلما نزلت هذه الآية ” قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ” خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم قال محمد بن سيرين وكانوا يقولون لا يجاوز بصره مصلاة فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض رواه ابن جرير وابن حاتم ثم روى ابن جرير عنه وعن عطاء بن أبي رباح أيضا مرسلا أن رسول الله كان يفعل ذلك حتى نزلت هذه الآية والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها واشتغل بها عما عداها وآثرها على غيرها وحينئذ تكون راحة له وقرة عين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ” حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة “.وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا مسعر عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن رجل من أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” يا بلال أرحنا بالصلاة “وقال الإمام أحمد أيضا ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن سالم ابن أبي الجعد أن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار فحضرت الصلاة فقال يا جارية ائتني بوضوء لعلي أصلي فأستريح فرآنا أنكرنا عليه ذلك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ” قم يا بلال فأرحنا بالصلاة “وقوله تعالى: ” خاشعون ” روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال: ” كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية ” الذين هم في صلاتهم خاشعون “. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد “. وفي رواية هشيم: كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله تعالى ” قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون “، فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في ((البقرة)) عند قوله: ” فول وجهك شطر المسجد الحرام ” [البقرة: 144] أيضاً معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضاً عند قوله تعالى: ” وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين “. “لكبيرة” معناه ثقيلة شاقة ، خبر إن . ويجوز في غير القرآن : وإنه لكبيرة . “إلا على الخاشعين” فإنها خفيفة عليهم . قال أرباب المعاني : إلا على من أيد في الأزل بخصائص الاجتباء والهدى . الثامنة : قوله تعالى : “على الخاشعين” الخاشعون جمع خاشع وهو المتواضع . والخشوع : هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع . وقال قتادة : الخشوع في القلب ، وهو الخوف وغض البصر في الصلاة . قال الزجاج : الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه ، كخشوع الدار بعد الإقواء . هذا هو الأصل . قال النابغة : ‌رماد ككحل العين لأيا أبينه ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع‌ ومكان خاشع : لا يهتدى له . وخشعت الأصوات أي سكنت وخشع ببصره إذا غضه . والخشعة : قطعة من الأرض رخوة ، وفي الحديث : “كانت خشعة على الماء ثم دحيت بعد” . وبلدة خاشعة : مغبرة لا منزل بها . قال سفيان الثوري : سألت الأعمش عن الخشوع فقال: يا ثوري ، أنت تريد أن تكون إماماً للناس ولا تعرف الخشوع ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع ، فقال : أعيمش ! تريد أن تكون إماماً للناس ولا تعرف الخشوع !ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس ! لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء ، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك . ونظر عمر بن الخطاب إلى شاب قد نكس رأسه فقال : يا هذا ! ارفع رأسك ، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب . وقال علي بن أبي طالب : الخشوع في القلب ، وأن تلين كفيك للمرء المسلم ، وألا تلتفت في صلاتك . [البقرة: 45]. والخشوع محله القلب، فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه، إذا هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء : هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. ” وأبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه “. وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى “. رواه الترمذي ” “. وروى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره : لا يكون خاشعاً حتى تخشع كل شعرة على جسده ، لقول الله تبارك وتعالى : “تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم” . قلت : هذا هو الخشوع المحمود ، لأن الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه ، فتراه مطرقاً متأدباً متذللاً . ، وأما المذموم فتكلفه والتباكي ومطأطأة الرأس كمايفعله الجهال ليروا بعين البر والإجلال ، وذلك خدع من الشيطان ، وتسويل من نفس الإنسان . روى الحسن أن رجلاً تنفس عند عمر بن الخطاب كأنه يتحازن ، فلكزه عمر ، أو قال لكمه .البقرة 3((الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ))إن إقامة الصلاة هي تحقيق للإيمان بالله قال تعالىالنساء 142(( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً )) فالتكاسل في الصلا ةهي من صفات المنافقين المائدة 55(( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ )) في هذه ألآية ربط الله بين صفتين وفيه احقية الولاية لمن يقيم الصلاة , ولذالك علينا أن نستحضر التدير والخشوع والتذلل لله سبحانه وتعالى ولا ننشغل بفكرنا أثناء الصلاة بغير ذكر الله وتعظيمه ولذلك كثيرا من الناس عند حضور الصلاة ينشغلوا بالوساوس وألاوهام التي يلبسها عليهم ابليس لعنة الله عليه, ولا يأتي التدبر في الصلاة إلا بالتمرن وألإكثار منها بالنوافل والسنن والتطوع, ونرجو الله العفو والمغفرة في كل صلاة ونلح الطلب فيها والدعاء بالنصرة والبركة والخير في الدنيا وألأخرة . الصفة الثالثة: العلم معى الذكر البقرة 120((قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ)) يبين الله سبحنه وتعالى في هذه ألأية أن العلم الحقيقي هو علم القرآن المفصل لكل شيئ إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور” وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث ولكن العلم عن كثرة الخشية. وقال أحمد بن صالح المصري عن ابن وهب عن مالك قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية وإنما العلم نور يجعله الله في القلب. قال أحمد بن صالح المصري معناه أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية وإنما العلم الذي فرض الله عز وجل أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من أئمة المسلمين فهذا لا يدرك إلا بالرواية ويكون تأويل قوله: نور يريد به فهم العلم ومعرفة معانيه. وقال سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن رجل قال: كان يقال العلماء ثلاثة عالم بالله عالم بأمر الله وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله; فالعالم بالله وبأمر الله الذي يخشى الله تعالى ويعلم الحدود والفرائض والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود والفرئض والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله عز وجل وقوله تعالى ” كلا لو تعلمون علم اليقين ” أي لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة حتى صرتم إلى المقابر.قوله تعالى:” الذي علم بالقلم” فيه ثلاث مسائل: الأولى : قوله تعالى: ” الذي علم بالقلم” يعني الخط والكتابة، أي علم الإنسان الخط بالقلم. وروى سعيد عن قتادة قال: القلم نعمة من الله تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش. فدل على كمال كرمه سبحانه، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة، لما فيه من المنافع العظيمة، التي لا يحيط بها إلا هو. وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولاضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، لو لا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا. وسمي قلما لأن يقلم، أي يقطع، ومنه تقليم الظفر. وقال بعض الشعراء المحدثين يصف القلم: فكأنه والحبر يخضب رأسه شيخ لوصل خريدة يتصنع لم لا ألاحظه بعين جلاله وبه إلى الله الصحائف ترفع و”عن عبدالله بن عمر قال: يا رسول الله، أأكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال: (نعم فاكتب، فإن الله علم بالقلم) ” . وروى مجاهد عن ابن عمر قال: خلق الله عز وجل أربعة أشياء بيده، ثم قال لسائر الحيوان: كن فكان : القلم، والعرش، وجنة عدن، وآدم عليه السلام. وفيمن علمه بالقلم ثلاثة أقاويل أحدها: أنه آدم عليه السلام، لأنه أول من كتب، قاله كعب الأحبار. الثاني : أنه إدريس، وهو أول من كتب. قاله الضحاك. الثالث: أنه أدخل كل من كتب بالقلم، لأنه ما علم إلا بتعليم الله سبحانه، وجمع بذلك نعمته عليه في خلقه، وبين نعمته عليه في تعليمه، استكمالاً للنعمة عليه. الثانية: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة، قال: لما خلق الله الخلق كتب في كتابه- فهو عنده فوق العرش-: (إن رحمتي تغلب غضبي). و” ثبت عنه عليه السلام أنه قال: (اول ما خلق الله: القلم، فقال له اكتب، فكتب ما يكون إلى يوم القيامة، فهو عنده في الذكر فوق عرشه). ” و” في الصحيح من حديث ابن مسعود: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكاً فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم يقول، يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله، فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول يا رب رزقه، ليقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص، قال تعالى:” وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين” [الإنفطار:10-11] ” . قال علماؤنا: فالأقلام في الأصل ثلاثة: القلم الأول: الذي خلقه الله بيده، وأمره أن يكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله، فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول يا رب رزقه، ليقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص، وقال تعالى: ” وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين” [الإنفطار:10-11]. قال علماؤنا: فالأقلام في الأصل ثلاثة: القلم الأول: الذي خلقه الله بيده، وأمره أن يكتب. والقلم الثاني: أقلام الملائكة، جعلها الله بأيديهم يكتبون بها المقادير والكوائن والأعمال. والقلم الثالث: أقلام الناس، جعلها الله بأيديهم، يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها مآربهم. وفي الكتابة فضائل جمة. والكتابة من جملة البيان، والبيان مما اختص به الآدمي. الثالثة: قال علماؤنا: كانت العرب أقل الخلق معرفة بالكتاب، وأقل العرب معرفة به المصطفى صلى الله عليه وسلم، صرف عن علمه، ليكون ذلك أثبت لمعجزته، وأقوى في حجته،. الصفة الرابعةإكرام المسلمين فيه ثمان مسائل : الأولى :قوله تعالى : “ليس البر” اختلف من المراد بهذا الخطاب ، فقال قتادة : ذكر لنا أن رجلاً سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن البر ، فأنزل الله هذه الآية . قال : وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، ثم مات على ذلك وجبت له الجنة ، فأنزل الله هذه الآية . وقال الربيع و قتادة ايضاً : الخطاب لليهود والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي ، فاليهود إلى المغرب قبل بيت المقدس ، والنصارى إلى المشرق مطلع الشمس ، وتكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل فرقة توليتها ، فقيل لهم : ليس البر ما أنتم فيه ، ولكن البر من آمن بالله . الثانية : قرأ حمزة وحفص البر بالنصب ، لأن ليس من أخوات كان ،يقع بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الاسم أو الخبر ، فلما وقع بعد ليس : البر نصبه ، وجعل أن تولوا الاسم ،وكان المصدر أولى بأن يكون اسماً لأنه لا يتنكر ، والبر قد يتنكر والفعل أقوى في التعريف . وقرأ الباقون البر بالرفع على أنه اسم ليس ، وخبره أن تولوا ، تقديره : ليس البر توليتكم وجوهكم ، وعلى الأول ليس توليتكم وجوهكم البر ، كقوله : “ما كان حجتهم إلا أن قالوا” ، “ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا” “فكان عاقبتهما أنهما في النار” وما كان مثله . ويقوي قراءة الرفع أن الثاني معه الباء إجماعاً فيه قوله : “وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها” ولا يجوز فيه إلا الرفع ، فحمل الأول على الثاني أولى من مخالفته له . وكذلك هو في مصحف أبي بالباء ليس البر بأن تولوا وكذلك في مصحف ابن مسعود أيضاً ، وعليه أكثر القراء ، والقراءتان حسنتان . الثالثة : قوله تعالى : “ولكن البر من آمن بالله” البر ها هنا اسم جامع للخير ، والتقدير : ولكن البر بر من آمن ، فحذف المضاف ، كقوله تعالى : “واسأل القرية” ، “وأشربوا في قلوبهم العجل” قاله الفراء و قطرب و الزجاج . وقال الشاعر : فإنما هي إقبال وإدبار أي ذات إقبال وذات إدبا . وقال النابغة : وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب أي كخلاله أبي مرحب ، فحذف . وقيل :المعنى ولكن ذا البر ، كقوله تعالى : “هم درجات عند الله” أي ذوو درجات . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وفرضت الفرائض وصرفت القبلة إلى الكعبة وحدت الحدود أنزل الله هذه الآية فقال : ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك ، ولكن البر ـ أي ذا البر ـ من آمن بالله ، إلى آخرها ، قاله ابن عباس و مجاهد و الضحاك و عطاء و سفيانو الزجاج أيضاً . ويجوز أن يكون البر بمعنى البار والبر ، والفاعل قد يسمى بمعنى المصدر ، كما يقال : رجل عدل ، وصوم وفطر . وفي التنزيل : “إن أصبح ماؤكم غورا” أي غائراً ، وهذا اختيار أبي عبيدة . وقال المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت “ولكن البر” بفتح الباء . الرابعة : قوله تعالى : “والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين” فقيل : يكون الموفون عطفاً على من لأن من في موضع جمع ومحل رفع ، كأنه قال: ولكن البر المؤمنون والموفون ، قاله الفراءو الأخفش . والصابرين نصب على المدح ، أو بإضمار فعل . والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أول الكلام ، وينصبونه . فأما المدح فقوله : “والمقيمين الصلاة” . وأنشد الكسائي : وكل قوم أطاعوا أمر مرشدهم إلا نميرا أطاعت أمر غاويها الظاعنين ولما يظعنوا أحدا والقائلون لمن دار نخليها وأنشد أبو عبيدة : لا يبعدون قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر وقال آخر : نحن بني ضبة أصحاب الجمل فنصب على المدح . وأما الذم فقوله تعالى : “ملعونين أينما ثقفوا” الآية . وقال عروة بن الورد : سقوني الخمر ثم تكنفوني عداة الله من كذب وزر وهذا مهيع في النعوت ، لا مطعن فيه من جهة الإعراب ، موجود في كلام العرب كما بيناه . وقال بعض من تعسف في كلامه : إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الإمام ، قال: والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال : أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها . وهكذا قال في سورة النساء والمقيمين الصلاة ، وفي سورة المائدة “والصابئون” . والجواب ما ذكرناه . وقيل : الموفون رفع على الابتداء والخبر محذوف ، تقديره وهم الموفون . وقال الكسائي : والصابرين عطف على ذوي القربى كأنه قال : وآتى الصابرين . قال النحاس : وهذا القول خطأ وغلط بين ، لأنك إذا نصبت والصابرين ونسقته على ذوي القربى دخل في صلة من وإذا رفعت والموفون على أنه نسق على من فقد نسقت على من من قبل أن تتم الصلة ، وفرقت بين الصلة والموصول بالمعطوف . وقال الكسائي : وفي قراءة عبد الله والموفين ، والصابرين . وقال النحاس : يكونان منسوقين على ذوي القربى أو على المدح . قال الفراء : وفي قراءة عبد الله في النساء : “والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة” . وقرأ يعقوب والأعمش والموفون والصابرون بالرفع فيهما . وقرأ الجحدري بعهودهم . وقد قيل : إن والموفون عطف على الضمير الذي في آمن وأنكره أبو علي وقال : ليس المعنى عليه ، إذ ليس المراد أن البر بر من آمن بالله هو والموفون ، أي آمنا جميعاً . كما تقول : الشجاع من أقدم هو وعمرو ، إنما الذي بعد قوله من آمن تعداد لأفعال من آمن وأوصافهم . الخامسة : قال علماؤنا : وهذه آية عظيمة من أمهات الأحكام ، لأنها تضمنت ست عشرة قاعدة : الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته ـ وقد أتينا عليها في الكتاب الأسنى ـ والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار ـ وقد أتينا عليها في كتاب التذكرة ـ والملائكة والكتب المنزلة وأنها حق من عند الله ـ كما تقدم ـ والنبيين وإنفاق المال فيما يعن من الواجب والمندوب وإيصال القرابة وترك قطعهم وتفقد اليتيم وعدم إهماله والمساكين كذلك ، ومراعاة ابن السبيل ـ قيل المنقطع به ، وقيل : الضيف ـ والسؤال وفك الرقاب . وسيأتي بيان هذا في آية الصدقات ، والمحافظة على الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهود والصبر في الشدائد . وكل قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب . وتقدم التنبيه على أكثرها ، ويأتي بيان باقيها بما فيها في مواضعها إن شاء الله تعالى . واختلف هل يعطى اليتيم من صدقة التطوع بمجرد اليتم على وجه الصلة وإن كان غنياً ، أو لا يعطى حتى يكون فقيراً ، قولان للعلماء . وهذا على أن يكون إيتاء المال غير الزكاة الواجبة ، على ما نبينه آنفاً . السادسة : قوله تعالى : “وآتى المال على حبه” استدل به من قال :إن في المال حقاً سوى الزكاة وبها كمال البر. وقيل : المراد الزكاة المفروضة ، والأول أصح ، لما خرجه الدار قطني ” عن فاطمة بنت قيس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن في المال حقا سوى الزكاة ثم تلا قوله هذه الآية : “ليس البر أن تولوا وجوهكم” إلى آخر الآية ” . وأخرجه ابن ماجة في سننه و الترمذي في جامعه وقال : هذا حديث ليس إسناده بذاك ، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف . وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله وهو أصح . قلت :والحديث وإن كان فيه مقال فقد دل على صحته معنى ما في الاية نفسها من قوله تعالى : “وأقام الصلاة وآتى الزكاة” فذكر الزكاة مع الصلاة وذلك دليل على أن المراد بقوله : “وآتى المال على حبه” ليس الزكاة المفروضة ، فإن ذلك كان يكون تكراراً ، والله أعلم . واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها . قال مالك رحمه الله : يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم . وهذا إجماع أيضاً ، وهو يقوي ما اخترناه ، والموفق الإله . السابعة : قوله تعالى : “على حبه” الضمير في “حبه” اختلف في عوده ، فقيل : يعود على المعطي للمال ، وحذف المفعول وهو المال . ويجوز نصب ذوي القربى بالحب ، فيكون التقدير على حب المعطي ذوي القربى . وقيل : يعود على المال ، فيكون المصدر مضافاً إلى المفعول . قال ابن عطية : ويجيء قوله “على حبه” اعتراضاً بليغاً أثناء القول . قلت : ونظيره قوله الحق “ويطعمون الطعام على حبه مسكينا” فإنه جمع المعنيين ، الاعتراض وإضافة المصدر إلى المفعول ، أي على حب الطعام . ومن الاعتراض قوله الحق : “ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك” وهذا عندهم يسمى التتميم ، وهو نوع من البلاغة ، ويسمى أيضاً الاحتراس والاحتياط ، فتمم بقوله “على حبه” وقوله : “وهو مؤمن” ، ومنه قول زهير : من يلق يوما على علاته هرما يلق السماحة منه والندى خلقا وقال امرؤ القيس : على هيكل يعطيك قبل سؤاله أفانين جري غير كز ولا وان فقوله : على علاته و قبل سؤاله تتميم حسن ، ومنه قول عنترة : أثني علي بما علمت فإنني سهل مخالفتي إذا لم أظلم فقوله إذا لم أظلم تتميم حسن . وقا لطرفة : فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمي وقال الربيع بن ضبع الفزاري : فنيت وما يفنى صنيعي ومنطقي وكل امرىء إلا أحاديثه فان فقوله : غير مفسدها ، و إلا أحاديثه تتميم واحتراس . وقال ابو هفان : فأفنى الردى أرواحنا غير ظالم وأفنى الندى أموالنا غير عائب فقوله غير ظالم ، و غير غائب تتميم واحتياط ، وهو في الشعر كثير . وقيل :يعود على الإيتاء ، لأن الفعل يدل على مصدره ، وهو كقوله تعالى : “ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم” أي البخل خيراً لهم ، فإذا اصابت الناس حاجة أو فاقة فإيتاء المال حبيب إليهم . وقيل : يعود على اسم الله تعالى في قوله : “من آمن بالله” . والمعنى المقصود أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمن البقاء . الثامنة : قوله تعالى : “والموفون بعهدهم إذا عاهدوا” أي فيما بينهم وبين الله تعالى وفيما بينهم وبين الناس . “والصابرين في البأساء والضراء” البأساء : الشدة والفقر . والضراء : :المرض والزمانة ، قاله ابن مسعود . وقال عليه السلام : “يقول الله تعالى أيما عبد من عبادي ابتليته ببلاء في فراشه فلم يشك إلي عواده أبدلته لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه فإن قبضته فإلى رحمتي وإن عافيته عافيته وليس له ذنب . قيل :يا رسول الله ، ما لحم خير من لحمه ؟ قال : لحم لم يذنب . قيل: فما دم خير من دمه ؟ قال : دم لم يذنب” . والبأساء والضراء اسمان بنيا على فعلاه ، ولا فعل لهما ، لأنهما اسمان وليسا بنعت . “وحين البأس” أي وقت الحرب . قوله تعالى : “أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون” وصفهم بالصدق والتقوى في أمورهم والوفاء بها ، وأنهم كانوا جادين في الدين ، وهذا غاية الثناء . والصدق : خلاف الكذب . ويقال : صدقوهم القتال . والصديق : الملازم للصدق ، وفي الحديث : “عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا” . الصفة الخامسة:تصحيح النية قوله تعالى : ألأعراف 24((قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ )) قوله تعالى “قل أمر ربي بالقسط” أي بالعدل والاستقامة “وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين” أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله وما جاءوا به من الشرائع وبالإخلاص له في عبادته فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين أن يكون صوابا موافقا للشريعة وأن يكون خالصا من الشرك. وقوله تعالى “كما بدأكم تعودون” إلى قوله “الضلالة” اختلف في معنى قوله “كما بدأكم تعودون” فقال ابن أبي نجيح عن مجاهد “كما بدأكم تعودون” يحييكم بعد موتكم. وقال الحسن البصري كما بدأكم في الدنيا كذلك تعودون يوم القيامة أحياء وقال قتادة “كما بدأكم تعودون” قال بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئا ثم ذهبوا ثم يعيدهم وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كما بدأكم أولا كذلك يعيدكم آخرا واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال “يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين”. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث شعبة وفي حديث البخاري أيضا من حديث الثوري به. وقال ورقاء بن إياس أبو يزيد عن مجاهد “كما بدأكم تعودون” قال يبعث المسلم مسلما والكافر كافرا وقال أبو العالية “كما بدأكم تعودون” ردوا إلى علمه فيهم وقال سعيد بن جبير كما بدأكم تعودون كما كتب عليكم تكونون وفي رواية كما كنتم عليه تكونون وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى “كما بدأكم تعودون” من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه وإن عمل بأعمال أهل السعادة ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدئ خلقه عليه وإن عمل بأعمال أهل الشقاء كما أن السحرة عملوا بأعمال أهل الشقاء ثم صاروا إلى ما ابتدءوا عليه وقال السدي “كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة” يقول “كما بدأكم تعودون” كما خلقناكم فريق مهتدون وفريق ضلال كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله “كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة” قال إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنا وكافرا كما قال “هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن” ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنا وكافرا قلت ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري “فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة “وقال أبو القاسم البغوي حدثنا علي بن الجعد حدثنا أبو غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة وإنما الأعمال بالخواتيم” هذا قطعة من حديث البخاري من حديث أبي غسان محمد بن مطرف المدني في قصة قزمان يوم أحد وقال ابن جرير حدثني ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “تبعث كل نفس على ما كانت عليه”. وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه عن الأعمش به ولفظه “يبعث كل عبد على ما مات عليه” وعن ابن عباس مثله قلت ويتأيد بحديث ابن مسعود قلت ولابد من الجمع بين هذا القول إن كان هو المراد من الآية وبين قوله تعالى “فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها” وما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه” وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم” الحديث ووجه الجمع على هذا أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده والعلم بأنه لا إله غيره كما أخذ عليهم الميثاق بذلك وجعله في غرائزهم وفطرهم ومع هذا قدر أن منهم شقيا ومنهم سعيدا “هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن” وفي الحديث “كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها”. وقدر الله نافذ في بريته فإنه هو “الذي قدر فهدى” و “الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى” وفي الصحيحين “فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة” “قال الله(( هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ))” أي صدقهم في الدنيا فأما في الآخرة فلا ينفع فيها الصدق وصدقهم في الدنيا يحتمل أن يكون صدقهم في العمل لله، ويحتمل أن يكون تركهم الكذب عليه وعلى رسله، وإنما نفهم الصدق في ذلك اليوم وإن كان نافعاً كل الأيام لوقع الجزاء فيه وقيل: المراد صدقهم في الآخرة وذلك في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ وفيما شهدوا به على أنفسهم من أعمالهم ويكون وجه النفع فيه أن يكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم والله أعلم وقرأ نافع وابن محيصن يوم بالنصب ورفع الباقون وهي القراءة البينة على الابتداء والخبر فيوم ينفع خبر ل هذا والجملة في موضع نصب بالقول وأما قراءة نافع وابن محيصن فحكى إبراهيم بن حميد بن محمد بن يزيد أن هذه القراءة لا تجوز، لأنه نصب خبر الابتداء ول يجوز فيه البناء وقال إبراهيم بن السري: هي جائزة بمعنى قال الله هذا لعيسى ابن مريم ينفع الصادقين صدقهم ف يوم ظرف للقول وهذا مفعول القول والتقدير قال الله هذا القول في يوم ينفع الصادقين. وقيل: التقدير قال الله عز وجل هذه الأشياء تنفع يوم القيامة، وقال الكسائي والفراء: بني يوم ها هنا على انصب لأنه مضاف إلى غير اسم كما تقول: مضى يومئذ وأنشد الكسائي . على حين عاتبت المشيب لعى الصبا وقلت ألما أصح الشيب وازع الزجاج: ولا يجوز البصريون ما قالاه إذا أضفت الظرف إلى فعل مضارع. فإن كان إلى ماض كان جيداً كما مر في البيت، وإنما جاز أن يضاف الفعل إلى ظروف لزمان، لأن الفعل بمعنى المصدر وقيل: يجوز أن يكون منصوباً ظرفاً ويكون خبر الابتداء الذي هو هذا لأنه مشار به إلى حدث وظروف الزمان تكون أخباراً عن الأحداث تقول: القتال اليوم، والخروج الساعة والجملة في موضع نصب بالقول وقيل: يجوز أن يكون هذا في موضع رفع بالابتداء ويوم خبر الابتداء والعامل فيه محذوف والتقدير قال الله هذا الذي قصصناه يقع يوم ينفع الصادقين صدقهم وفيه قراءة ثالثة ” يوم ينفع ” بالتنوين ” الصادقين صدقهم ” في الكلام حذف تقديره فيه مثل قوله ” واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا” [البقرة: 48] وهي قراء ةالأعمش. قوله تعالى :” لهم جنات ” ابتداء وخبر ” تجري ” في موضع الصفة ” من تحتها” أي من تحت غرفها وأشجارها وقد تقدم ثم بين تعالى ثوابه وأنه راض عنهم رضاً لا يغضب بعده أبداً “ورضوا عنه ” أي عن الجزاء الذي أثابهم به ” ذلك الفوز ” أي الظفر ” العظيم ” أي الذي عظم خيره وكثر، وارتفعت منزلة صاحبه وشرف . قال تعالى المائدة119((قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )) التوبة 100((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )) . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ( المخلصين) بكسر اللام، وتأويلها الذين اخلصوا طاعة الله. وقرأ الباقون بفتح اللام، وتأويلها: الذي أخلصهم الله لرسالته، وقد كان يوسف صلى الله عليه وسلم بهاتين الصفتين، لأنه كان مخلصاً في طاعة الله تعالى، مستخلصاً لرسالة الله تعالى قوله تعالى : ” فإذا ركبوا في الفلك ” يعني السفن وخافوا الغرق ت” دعوا الله مخلصين له الدين ” أي صادقين في نياتهم ، وتركو عبادة الأصنام ودعاءها . ” فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ” أي يدعون معه غيره ، وما لم ينزل به سلطاناً . وقيل : إشراكهم أن يقول قائلهم لولا الله والرئيس أو الملاح لغرقنا ، فيجعلون ما فعل الله لهم من النجاة قنمة بين الله وبين خلقه وتصحيح النية لا ياتي إلا بألأخلاص لله في دينه. لعنكبوت 6((وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ )) قال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد وما ضرب يوم من الدهر بسيف الصفة السادسة :الخروج في سبيل الله . لعنكبوت 6((وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ )) قال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد وما ضرب يوم من الدهر بسيف فيه خمس مسائل : الأولى : لما قص الله سبحانه ما فيه من البراهين ، حث على الجهاد ، وأعلم أن من جاهد بعد هذا البرهان الذي لا يأتي به إلا نبي فله في جهاده الثواب العظيم . روى البستي في صحيح مسنده عن ابن عمر قال : “لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رب زد أمتي ، فنزلت “من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رب زد أمتي” . فنزلت “يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب” . وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها ، وضمنها التحريض على ذلك . وفي الكلام حذف مضاف تقديره مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة . وطريق آخر : مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع رزع في الأرض حبة فأنبتت الجبة سبع سنابل ، يعني أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، فشبه المتصدق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة ، ثم قال تعالى : “والله يضاعف لمن يشاء” يعني على سبعمائة ، فيكون مثل المتصدق مثل الزارع ، إن كان حاذقاً في عمله ، ويكون البذر جيداً وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر ، فكذلك المتصدق إذا كان صالحاً والمال طيباً ويضعه موضعه فيصير الثواب أكثر ، خلافاً لمن قال : ليس في الآية تضعيف على سبعمائة ، على ما نبينه إن شاء الله . الثانية : روي أن هذه الاية نزلت في شان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما : “وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف فقال : يا رسول الله ، كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف ، وأربعة آلاف أقرضتها لربي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت” . وقال عثمان : يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له ، فنزلت هذه الآية فيهما . وقيل نزلت في نفقة التطوع . وقيل : نزلت قبل آية الزكاة ثم نسخت بآية الزكاة ، ولا حاجة إلى دعوى النسخ ، لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كل وقت . وسبل الله كثيرة ، وأعظمها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا . الثالثة : قوله تعالى : “كمثل حبة” الحبة اسم جنس لكل ما يزرعه ابن آدم ويقتاته ،وأشهر ذلك البر فكثيراً ما يراد بالحب: ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها ، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف . واختلف العلماء في معنى قوله “والله يضاعف لمن يشاء” فقالت طائفة : هي مبينة مؤكدة لما تقدم من ذكر السبعمائة ، وليس ثم تضعيف فوق السبعمائة . وقالت طائفة من العلماء : بل هو إعلام بأن الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف . قلت : وهذا القول أصح لحديث ابن عمر المذكور أول الآية . وروي ابن ماجة حدثنا هارون بن عبد الله الحمال حدثنا ابن ابي فديك عن الخليل بن عبد الله عن الحسن بن علي بن ابي طالب وأبي الدرداء وعبد الله بن عمر و أبي أماما الباهلي وعبد الله بن عمرو وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين كلهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : “من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم ـ ثم تلا هذه الآية ـ والله يضاعف لمن يشاء الله” . وقد روي عن ابن عباس أن التضعيف ينتهي لمن شاء الله إلى ألفي ألف . قال ابن عطية : وليس هذا بثابت الإسناد عنه . الخامسة : في هذه الآية دليل على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس والمكاسب التي يشتغل بها العمال ، ولذلك ضرب الله به المثل فقال : “مثل الذين ينفقون أموالهم” الآية . وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : “ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة” . وروى هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “التمسوا الرزق في خبايا الأرض” يعني الزرع ، أخرجه الترمذي . وقال صلى الله عليه وسلم في النخل : “هي الراسخات في الوحل المطعمات في المحل” . وهذا خرج مخرج المدح . والزراعة من فروض الكفاية فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كا

    Reply

    • Posted by العبسي هادي on January 22, 2011 at 03:36

      {}صفات أهل الشورى{} (1)
      :هذه الصفات هي مقاييس للسمو والرفعة والخلق والكياسة والقيم ألإنسانية جمعاء, وهي ايضا معيار لحسن التصرف والإنقياد لخلق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأهل الشور ى هم اهل الثقة من أرباب العقول والعلم والخبرة من المؤمنين بالله والمسلمين المتفقهين لدينه القائمين لأمره والذين ارتضوا لدين ألإسلام شرعتا ومنهاجا, هذه الصفات هي ما جاء به القرآن جملة وتفصيلا وفي سورة الشورى وغيرها, وصريح العقل يقتضي ترجيح الخير الباقي على الخسيس الفاني ، ثم بيّن أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفاً بهذه الصفات بصفات : { فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) }, 1- فيما تقدم من هذه ألأيات وصف دقيق لأهل الشورى الذين يعفد لهم في الولاية والقضاء والوزارة وغيرها وهذ الوصف يبدا بالآية{ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) من هذه ألآية دلالة وصفية لمن يؤمن بالله ويتوكل عليه على ان يكون زاهدا بالدنيا ومتقينا على ما عند الله من النعيم المقيم في ألآخرة , وهذه صفة أساسية يتوسم بها كل من ينتمي إلى اهل العقد والحل في ألأسلام 2- اما الصفة الثانية فهي في قوله تعالى {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ } 3- اما الصفة الثالثة فهي في قوله تعالى وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ } 4- أما الصفة الرابعة في قوله تعالى {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ } 5- اما الصفة الخامسة فهي في قوله تعالى { وَأَقَامُوا الصَّلاةَ } 6- اما الصفة السادسة فهي في قوله تعالى { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } قال أهل اللغة: الاستشارة مأخوذة من قول العرب: شرت الدابة وشورتها إذا علمت خبرها بجري أو غيره ويقال للموضع الذي تركض فيه: مشوار وقد يكون من قولهم: شرت العسل واشترته فهو مشور ومشتار إذا أخذته من موضعه، قال عدي بن زيد في سماع يأذن الشيخ له وحديث مثل ماذي مشار (4) الثانية – قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الاحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب. هذا ما لا خلاف فيه وقد مدح الله المؤمنين بقوله: ” وأمرهم شورى بينهم ” [ الشورى: 38 ] (5) قال أعرابي: ما غبنت قط حتى يغبن قومي 7- الصفة السابعة لاهل الشورى وهي في قوله تعالى وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) } 8- والصفة الثامنة وهي في قوله تعالى { وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)} 9- اما الصفة التاسعة فهي تمثل ألأنصاف في الحكم والعفو عند المقدرة والصلح بين الناس بالمعروف وأخذ الحق من الظالم قسرا ومعاقبته بما تقتضيه حدود الشرع { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) } 10- اما الصفة العاشرة لأهل الشورى فهي تكون لمن يملك زمام المغفرة والصبر عند المقدرة { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) } 11- اما الصفة الحادية عشرة فهي لين الجانب والرحمة وترك الغلظة والفظاظة 12- الصفة الثانية عشرة لمن يرتجى توليته وتنصيبه أن يكون محبا للإلفة ولم الشمل مبغضا للفرقة { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) وصريح العقل يقتضي ترجيح الخير الباقي على الخسيس الفاني ، ثم بيّن أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفاً بهذه الصفات بصفات : الصفة الأولى : أن يكون من المؤمنين بدليل قوله تعالى : { الذين آمَنُوا } الصفة الثانية : أن يكون من المتوكلين على فضل الله ، بدليل قوله تعالى : { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } فأما من زعم أن الطاعة توجب الثواب ، فهو متكل على عمل نفسه لا على الله ، فلا يدخل تحت الآية لصفة الثالثة : أن فكانت الانصار قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم إذا أرادوا أمرا تشاوروا فيه ثم عملوا عليه، فمدحهم الله تعالى به، قاله النقاش وقال الحسن: أي إنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون، فمدحوا باتفاق كلمتهم قال الحسن: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لارشد أمورهم وقال الضحاك: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم، وورد النقباء إليهم حتى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الايمان به والنصرة له وقيل تشاورهم فيما يعرض لهم، فلا يستأثر بعضهم بخبر دون بعض وقال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة ومسبار للعقول وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هدوا وقد قال الحكيم: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن برأي لبيب أو مشورة حازم (1) ولا تجعل الشورى عليك غضاضة فإن الخوافي قوة (1) للقوادم فمدح الله المشاورة في الامور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب، وذلك في الآراء كثير ولم يكن يشاورهم في الاحكام، لانها منزلة من عند الله على جميع الاقسام من الفرض والندب والمكروه والمباح والحرام فأما الصحابة بعد استئثار الله تعالى به علينا فكانوا يتشاورون في الاحكام ويستنبطونها من الكتاب والسنة وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص عليها حتى كان فيها بين أبي بكر والانصار ما سبق بيانه (3) وقال عمر رضي الله عنه: نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا وتشاوروا في أهل الردة فاستقر رأي أبي بكر على القتال وتشاوروا في الجد وميراثه، وفي حد الخمر وعدده وتشاوروا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحروب، حتى شاور عمر الهرمزان حين وفد عليه مسلما في المغازي، فقال له الهرمزان: مثلها ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين مثل طائر له ريش وله جناحان ورجلان فإنر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس وإنر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس وإن شدخ الرأس ذهب الرجلان والجناحان والرأسرى والجناح الواحد قيصر والآخر فارس، فمر المسلمين فلينفروا إلىرىوذكر الحديث وقال بعض العقلاء: ما أخطأت قط ! إذا حزبني أمر شاورت قومي ففعلت الذي يرون، فإن أصبت فهم المصيبون، وإن أخطأت فهم المخطئون { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164) } يقول تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم، ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته، المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ } أي: أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم قال قتادة: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ } يقول: فبرحمة من الله لنت لهم و”ما” صلة، والعربُ تصلها بالمعرفة كقوله: { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ } [النساء:155 ، المائدة:13] وبالنكرة كقوله: { عَمَّا قَلِيلٍ } [المؤمنون:40] وهكذا (1) هاهنا قال: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ } أي: برحمة من الله (2) وقال الحسن البصري: هذا خُلُقُ محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة:128] وقال الإمام أحمد: حدثنا حَيْوة، حدثنا بَقِيَّة، حدثنا محمد بن زياد، حدثني أبو راشد الحُبْراني قال: أخد بيدي أبو أمَامة الباهلي وقال: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “يَا أبَا أُمامَةَ، إنَّ مِنَ الْمُؤْمِنينَ مَنْ يَلِينُ لِي قَلْبُه” (3) انفرد (4) به أحمد (5) ثم قال تعالى: { وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } الفظ: الغليظ، [و] (6) المراد به هاهنا غليظ الكلام؛ لقوله بعد ذلك: { غَلِيظَ الْقَلْبِ } أي (2)يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش ، عن ابن عباس : كبير الإثم ، هو الشرك ، نقله صاحب «الكشاف» : وهو عندي بعيد ، لأن شرط الإيمان مذكور أولاً وهو يغني عن عدم الشرك ، وقيل المراد بكبائر الإثم ما يتعلق بالبدع واستخراج الشبهات ، وبالفواحش ما يتعلق بالقوة الشهوانية ، وبقوله { وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } ما يتعلق بالقوة الغضبية ، وإنما خص الغضب بلفظ الغفران ، لأن الغضب على طبع النار ، واستيلاؤه شديد ومقاومته صعبة ، فلهذا السبب خصّه بهذا اللفظ ، والله أعلم الصفة الرابعة : قوله تعالى : { والذين استجابوا لِرَبّهِمْ } والمراد منه تمام الانقياد ، فإن قالوا أليس أنه لما جعل الإيمان شرطاً فيه فقد دخل في الإيمان إجابة الله؟ قلنا الأقرب عندي أن يحمل هذا على الرضاء بقضاء الله من صميم القلب ، وأن لا يكون في قلبه منازعة في أمر من الأمور ولما ذكر هذا الشرط قال : { وأقاموا الصلاةَ } والمراد منه إقامة الصلوات الواجبة ، لأن هذا هو الشرط في حصول الثواب وأما قوله تعالى : { وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ } فقيل كان إذا وقعت بينهم واقعة اجتمعوا وتشاوروا فأثنى الله عليهم ، أي لا ينفردون برأي بل ما لم يجتمعوا عليه لا يقدمون عليه ، وعن الحسن : ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم ، والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور ، ومعنى قوله { وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ } أي ذو شورى الصفة الخامسة : قوله تعالى : { والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ } والمعنى أن يقتصروا في الانتصار على ما يجعله الله لهم ولا يتعدونه ، وعن النخعي أنه كان إذا قرأها قال كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم السفهاء ، فإن قيل هذه الآية مشكلة لوجهين الأول : أنه لما ذكر قبله { وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } فكيف يليق أن يذكر معه ما يجري مجرى الضد له وهو قوله { والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ } ؟ الثاني : وهو أن جميع الآيات دالة على أن العفو أحسن قال تعالى : { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } [ البقرة : 237 ] وقال : { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } [ الفرقان : 72 ] وقال : { خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } [ الأعراف : 199 ] وقال { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين ثم بيّن أن العفو أولى بقوله { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله } فزال السؤال ، والله أعلم وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46) اعلم أنه تعالى لما قال : { والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ } [ الشورى : 39 ] أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيداً بالمثل فإن النقصان حيف والزيادة ظلم والتساوي هو العدل وبه قامت السموات والأرض ، فلهذا السبب قال : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيئَةٌ مِثْلُهَا } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول جزاء السيئة مشروع مأذون فيه ، فكيف سمي بالسيئة؟ أجاب صاحب «الكشاف» : عنه كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة لأنها تسوء من تنزل به ، قال تعالى : { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ } [ النساء : 78 ] يريد ما يسوءهم من المصائب والبلايا ، وأجاب غيره بأنه لما جعل أحدهما في مقابلة الآخر على سبيل المجاز أطلق اسم أحدهما على الآخر ، والحق ما ذكره صاحب «الكشاف» وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38) فيه ثلاث مسائل: الاولى – قوله تعالى: ” والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة ” قال عبد الرحمن ابن زيد: هم الانصار بالمدينة، استجابوا إلى الايمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثنى عشر نقيبا منهم قبل الهجرة” وأقاموا الصلاة ” أي أدوها لمواقيتها بشروطها وهيئاتها الثانية – قوله تعالى: ” وأمرهم شورى بينهم ” أي يتشاورون في الامور والشورى مصدر شاورته، مثل البشرى والذكرى ونحوه
      : لو كنت سيِّئَ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: إنه رأى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة: أنه ليس بفَظٍّ، ولا غليظ، ولا سَخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح (7) وروى أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، أنبأنا بشْر بن عُبَيد الدارمي، حدثنا عَمّار بن عبد الرحمن، عن المسعودي، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الله أمَرَنِي بِمُدَارَاةِ النَّاس كَمَا أمَرني بِإقَامَة الْفَرَائِضِ” (8) حديث غريب (9) ولهذا قال تعالى: { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ } ولذلك (1) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حَدَث، تطييبًا لقلوبهم؛ ليكونوا فيما يفعلونه (2) أنشط (3) لهم [كما] (4) شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير (5) فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عُرْض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى بَرْك الغَمَاد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب، فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن [شمالك] (6) مقاتلون وشاورهم -أيضا-أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المعتق ليموتَ، بالتقدم إلى أمام القوم، وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهُورُهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى عليه ذلك السَعْدَان: سعدُ بن معاذ وسعدُ بن عُبَادة، فترك ذلك وشاورهم يومَ الحُدَيبية في أن يميل على ذَرَاري المشركين، فقال له الصديق: إنا لم نجيء (7) لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال وقال عليه السلام (8) في قصة (9) الإفك: “أشِيروا عَلَيَّ مَعْشَرَ الْمُسْلِمينَ فِي قَوْمٍ أبَنُوا (10) أهلِي ورَمَوهُم، وايْمُ اللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أهْلِي مِنْ سُوءٍ، وأبَنُوهم بمَنْ -واللهِ-مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلا خَيْرًا” واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة، رضي الله عنها فكان (11) [صلى الله عليه وسلم] (12) يشاورهم في الحروب ونحوها وقد اختلف الفقهاء: هل كان ذلك واجبا عليه أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم؟ على قولين وقد قال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف (13) بمصر، حدثنا سعيد بن [أبي] (14) مريم، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عَمْرو بن دينار، عن ابن عباس في قوله: { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ } قال: أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (15) وهكذا رواه الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر وعمر، وكانا حَوَاري رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيريه وأبَوَي المسلمين بن غَنْم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: “لوِ اجْتَمَعْنا (1) فِي مَشُورَةٍ مَا خَالَفْتُكُمَا” (2) وروى ابن مَرْدُويه، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العَزْم؟ قال (3) “مُشَاوَرَةُ أهْلِ الرَّأْي ثُمَّ اتِّبَاعُهُمْ” (4) وقد قال ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بكير (5) عن شيبان (6) عن عبد الملك بن عُمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ” ورواه أبو داود والترمذي، وحسّنه [و] (7) النسائي، من حديث عبد الملك بن عُمير بأبسط منه (8) ثم قال ابن ماجة: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي عَمْرو الشيباني، عن أبي (9) مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ” تفرد به (10) [وقال أيضا] (11) وحدثنا أبو بكر، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعلي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذَا اسْتَشَارَ أحَدُكُمْ أخَاهُ فَليشِر (12) عليْهِ تفرد به أيضا (13) وقوله: { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } أي: إذا شاورتهم في الأمر وعزَمْت عليه فتوكل على الله فيه { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }، قيل: وشاورهم -أيضا-أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المعتق ليموتَ، بالتقدم إلى أمام القوم، وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهُورُهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: